jump to navigation

وأخيرا هوى النجم، وسقطت السارية، كلمة في حق الشيخ محمد الخالدي رحمه الله. بقلم: د. عبد الله غازيوي يوليو 3, 2011

Posted by Admin in مقالات د. غازيوي.
trackback

الشيخ الخالدي رحمه الله

بسم الله الرحمن الرحيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم،

والصلاة والسلام على أشرف المخلوقين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد، فإن موت العلماء خسارة لا تعوض، وهو علامة على رفع العلم وانتشار الجهل، مصداقا لقول الرسول (صلى الله عليه وسلم): (إن الله لا يقبض  العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا)، (رواه البخاري في كتاب العلم).

واعتبارا بما سبق، فقد تلقينا ببالغ الحزن والأسى، مساء يوم الاثنين الخامس والعشرين من شهر الله المحرم، عام واحد وثلاثين و أربعمائة و ألف للهجرة، الموافق لأحد عشر يناير سنة ألفين وعشرة للميلاد، نبأ وفاة أحد رموز أهل القرآن بجهة تافيلالت، ألا وهو الشيخ محمد الخالدي – رحمه الله – الفقيه الذي عرفته ما يزيد عن أربعين عاما وهو مرابط على الثغور بقصر تغنجاوت يدرس القرآن الكريم.

ومنذ ذلك الحين وقبله، أبلى الشيخ بلاء حسنا في خدمة القرآن الكريم، حيث تخرج على يديه عدد كبير من حملة القرآن. فبلغت شهرته الآفاق، وقصده طلبة القرآن من كل الأصقاع، لما عرف به من طريقة في التحفيظ، وجدية في العمل.

وقد دفعني ما كنت أسمع عنه إلى طرق باب جامعه مرارا من أجل أن أتابع حفظ القرآن الكريم عنده، ولكن قدر الله وما شاء فعل، لم أكن أجد مكانا شاغرا يأويني لكثرة الطلبة عنده وشدة الطلب والإقبال عليه ؛ فتعرف علي – رحمة الله عليه – من كثرة زيارتي له وترددي عليه، فكان يحبني حبا كثيرا، ويسأل عني سؤال الأب عن ابنه، وذالك من الفترة الممتدة من سنة 1974 للميلاد إلى أن توفاه الله، لأن الأرواح التقت على القرآن الكريم لا غير، وهي جنود مجندة كما أخبر الرسول العظيم بذلك، فعن عائشة – رضي الله عنها – قالت: “سمعت النبي- صلى الله عليه و سلم – يقول :(الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر اختلف)، (رواه البخاري في كتاب الأنبياء).

 وقد وفق الله سبحانه وتعالى، المحفظين بكتاب مسجد أم المؤمنين حفصة – رضي الله عنها- وكنت مرافقا لهم لزيارة مدرسة تغنجاوت للتعليم العتيق، التي كان المرحوم يدير شؤونها، عقب ذكرى المولد النبوي الشريف بأسبوع، بتاريخ 7و8 أبريل 2007م وفرح لتلك الزيارة فرحا شديدا لم يملك نفسه حتى صار يبكي وسالت دموعه على خديه طيلة الزيارة التي دامت زهاء ساعتين من الزمن.

وهكذا فقد ثبت بالتواتر أنه كرس حياته كلها لتحفيظ القرآن الكريم، والعلوم الخادمة له، حتى صار لفظ الشيخ في تافيلالت وغيرها من مدن المملكة المغربية وقراها علما عند العام والخاص، بحيث كلما ذكر لفظ الشيخ انصرف الذهن إليه.

إن هذا الرجل العظيم نذر عمره لتحفيظ القرآن الكريم فبدأ مسيرته منذ وقت مبكر، أي من عام: 1952 للميلاد، وقد كان قبله شيخه المرحوم لحمداني يقوم بمهمة التحفيظ، وبعد موته، تولى الشيخ الخالدي- رحمه الله- تلك المهمة، وورثها عن جدارة واستحقاق، وهي مدة تربو عن ثمانية وخمسين عاما، إلى أن اختاره الله لجواره، ولنا اليقين بأن الله ختم حياته بالحسنى، فهنيئا له، ونرجو الله العليم الخبير أن يختم لنا بالحسنى وزيادة.

إن هذا الرجل، الركيزة الأساس في تافيلالت، تعلق قلبه بالله تعلقا صادقا، واهتم بكتاب الله اهتماما كبيرا، وجعله أنيسه في الليل والنهار، وعرف رسالته في الحياة فخدمها بحب وصدق وإخلاص، وكان بفضل الله موفقا في أداء مهمته. وبركته على طلبته ظاهرة للعيان، فكان على يديه الفتح – كما يقال- (وهو مصطلح متعارف عليه عند أهل القرآن)، فحفظ  القرآن على يديه العدد الكثير الذي لا يعد كثرة، وشمل عطاؤه كل جهات  المملكة المغربية، خاصة الجهة الشرقية منها، فقل ما يدخل الإنسان مركزا من مراكز العلم إلا ويجد مجموعة ممن حفظ القرآن على يدي الشيخ الخالدي- رحمه الله- ولم يقتصر عطاؤه على طلبته في المدرسة فحسب، بل كان له مجلس للإقراء والمدارسة بالحرمين الشريفين معروف، يلتقي فيه كل محبيه.

وهكذا يظهر من خلال تتبع سيرته العطرة، وخطواته الموفقة، أنه خدم كتاب الله خدمة جلى، وآثر من أجل خدمته التعب على الراحة، ولو على حسب جسمه وأهله، فكان يبيت ليله مع طلبته يتفقد أحوالهم، ويتتبع خطواتهم، ولا يترك لهم فرصة لضياع الوقت، وعرف من منهجه – رحمه الله- أنه كان يوقظ  طلبته مع الساعة الثانية ليلا.

ويروي طلبته أن الجدار الذي كان يتكئ عليه قبل إعادة بناء المدرسة تآكل من وراء ظهره، وأحدثت ملازمة الاتكاء عليه حفرة بسبب طول مكثه واستمرار اتكائه عليه، وهذا معنى القيام على الثغور، فامتثل حقا ما شاع على ألسنة الشيوخ المربين {أثبت تنبت}، والقصد من هذا الحرص الشديد، والمكوث الدائم المستمر، هو أن تأتي جهوده أكلها في أقرب وقت ممكن.

 وكان من عادته أنه لا يرد من جاءه يطلب المقام عنده لحفظ القرآن الكريم، وفي فترة من تاريخ مدرسته المباركة، تجاوز العدد مائتين وعشرين طالبا مع قلة ذات اليد لأهل البلد، والذي كان يبعثه على ذلك، هو ثقته بالله الكاملة، ويقينه أن من قدم إليه يأتي معه رزقه.

والمهم أنه تاجر مع الله فربح، وخدم القرآن الكريم وتفانى في خدمته فنجح، ولم يبتغ بذلك جاها ولا منصبا ولا مالا، بل المعروف عنه أنه كان يبذل وينفق كل ما عنده من مال، قصد إنجاح عملية التحفيظ. ولم يكن- رحمه الله – من الراغبين في كثرة العطل، بل إنه كان لا يعرف عطلة ولا انقطاعا عن التحفيظ إلا في مناسبات العطل الدينية المعرفة عند المدررين.

وحين اتسعت آفاق مدرسته وصارت تتطلب نفقات كثيرة، كان ينيب من يقوم مقامه في التحفيظ ويغادر المدرسة من أجل البحث عن قوت الطلبة، ولما نذر حياته لخدمة القرآن الكريم، هيأ الله له من عباده الصالحين من يخدمه ويقوم بشؤونه بصدق وحب وإخلاص، فجزآهم الله خير الجزاء، وكثر أمثالهم في الأمة.

من جنازة الشيخ الخالدي حمه الله

إن الشيخ الخالدي ـ رحمه الله ـ حافظ للأمة على منصب من المناصب المهمة في الشريعة الإسلامية، ألا وهو منصب المشيخة العلمية الحقة، الذي كان له من المهابة والاحترام ما يحفظ للشريعة قدسيتها وحرمتها، ولما لم يعر كثير من الأئمة اهتماما لهذا المنصب الشريف، تطاول كثير من الجهلة على الشريعة الإسلامية.

لقد اشتهر على ألسنة الناس إطلاق مصطلح الحافظ والحافظة على من يستظهر القرآن عن ظهر قلب، والواقع أن القرآن هو الذي يحفظ صاحبه، حسا ومعنى، ظاهرا وباطنا، فهو الحصن الحصين من الشيطان الرجيم، والمفروض في الذي يتلو القرآن أن يقف عند حدوده، فيحل حلاله، ويحرم حرامه، ويجتنب نهيه، ويمتثل أمره، وبذلك يحفظ روحه وجسمه من كل ما يفسدهما، والمقام لا يسمح بالتفصيل، فلذلك أكتفي بهذا القدر راجيا من الله ـ جلت قدرته ـ أن يتغمد من فقدته أمتنا برحمته الواسعة، الشيخ الخالدي، وأن يسكنه فسيح جناته، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

وكتبه: عبد الله غازيوي أستاذ التعليم العالي بكلية الشريعة بفاس، وحرر بفاس، يوم الأربعاء السابع والعشرين من شهر الله المحرم، عام واحد وثلاثين وأربعمائة وألف، الموافق لثلاثة عشر يناير سنة ألفين وعشرة.

تعليقات»

No comments yet — be the first.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: