jump to navigation

الدكتور فريد الأنصاري الداعية المربي، رؤيته الدعوية والتربوية. بقلم، د. عبد الله غازيوي مايو 4, 2011

Posted by Admin in مقالات د. غازيوي.
trackback

https://i2.wp.com/i49.servimg.com/u/f49/12/59/75/24/farid10.jpg

الشيخ فريد الأنصاري رحمه الله، بعدسة: م ع اد

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

وبعد فإن الحديث عن العلماء المخلصين المربين في عصرنا الحاضر حديث مؤلم، حيث إن أغلب العلماء الآن في الجامعات بالخصوص اتجهوا إلى قبلة واحدة، وهي التنافس في جمع المال والتعلق بالدنيا وحطامها، حتى ولو أدى الأمر إلى تشويه صورة العلم وفقد مضمون ومحتوى المناهج والبرامج وإهدار الكرامة والشرف، وبيع الوطن ومسخ صورة العالم.

ولما قال النبي –صلى الله عليه وسلم-:(إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من صدور الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء…) فإنه ينسحب على العلماء الربانيين الصالحين الذين يحملون هموم أمتهم ويضحون بالنفيس والغالي من أجل إسعاد مجتمعهم، ويرابطون على الثغور ويجتهدون ليل نهار ألا تؤتى الأمة من قبلهم، ورحم الله الإمام الشاطبي الذي قال: إن الأمة لا تؤتى من قبل علمائها، وإنما تؤتى من قبل جهالها، ولا يشمل الذين يعبدون الدنيا وينسون الآخرة.

والناظر في سيرة الدكتور فريد الأنصاري-رحمه الله- يلحظ أن موته خسارة أمة، لأنه من بين العلماء الصالحين الربانيين الذين كانوا يرابطون على الثغور، ويبيعون حياتهم لله. أقول هذا لأن لي به علاقة زمالة وصداقة، مذ عام 1400 للهجرة، الموافق لسنة 1979 للميلاد. فقد شاءت إرادة الله أن تجمعني به مع مجموعة من طلبة نهاية التعليم الثانوي الذين سطع نجمهم فيما بعد، حتى أصبحوا رموزا في الساحة العلمية والدعوية، منهم على سبيل المثال: الأستاذ الحاج المهدي بابا خويا، والأستاذ عبد الواحد بوصحابة، والأستاذ عبد العزيز احميد والأستاذ الحاج موسى العوني، وغيرهم.. وذلك في مدينة كلميمة غرب مدينة الرشيدية، حيث كانت بها ثانوية جهوية تسمى: ثانوية اغريس، وكنت آنذاك والفقيه العلامة سيدي محمد العمراوي ومجموعة من طلبة القرآن الكريم، ندرس العلوم الشرعية عند شيخنا العالم الفقيه الفهامة، صاحب الشيم الحميدة، سيدي محمد بن التقي حفظه الله، وقد كان شيخنا خطيبا فصيحا مفوها جريئا في قول الحق، فكان العالم المحور في المدينة، فاستطاع بفضل الله أن يجتمع حوله أهل البلد كله شيبا وشبابا، طلبة وأساتذة، وأثناء توجه الجميع لحضور مجالس الوعظ وخطب الجمعة، حصل التعرف على المرحوم  فريد الأنصاري ومن معه.

ومذ رأيته لأول مرة، لاحظت فيه مميزات وخصائص قد لا توجد في غيره، وهي قوة الحافظة، والذكاء الوقاد، والسمت الحسن، والخلق الكريم، والحيوية المتزنة، والاجتهاد المنقطع النظير في حفظ الدروس والقواعد العلمية التي ساعدته فيما بعد على أداء رسالته العلمية أداء جيدا ؛ وقد سمعته يتمثل يردد وهو يتجول مع زملائه في دروب البساتين والحدائق المجاورة للمدينة، الاستشهادات البلاغية، التي منها على سبيل المثال لا الحصر:

كل ابن أنثى وإن طالت سلامته    يوما على آلة حدباء محمول

 كما أنه كان في تلك الفترة مغرما بكتابات الشهيد سيد قطب – رحمه الله- النثرية والشعرية، وذلك لفرط إعجابه به وبأسلوبه، ومما حفظت عنه أيضا سماعا- رحمة الله عليه- من قصائد سيد قطب الرائعة، التي كان يرددها ويطرب بها:

أخي إن نمت نلق أحبابنا فروضة ربي أعدت لنــــــــــــا

وأطيارها رفرفت حـولنــــــــــا   فطوبى لنا في ديار الخلود

كما سمعته يردد قول النبي- صلى الله عليه وسلم- : (إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع بها لعظمتي، ولم يستطل على خلقي، ولم يبت مصرا على معصيتي، وقطع نهاره في ذكري، ورحم المسكين وابن السبيل والأرملة، ورحم المصاب، ذلك نوره كنور الشمس، أكلؤه بعزتي، وأستحفظه ملائكتي، وأجعل له في الظلمة نورا، وفي الجهالة حلما، ومثله في خلقي كمثل الفردوس في الجنة).

والمهم أنني ما رأيته يوما يضيع جزءا من الوقت، فجديته ووقاره وإحساسه بأهمية الوقت جعلته يستغله استغلالا كاملا، وهذا دأب كل من ظهرت عليه بوادر العقل الراجح، والفكر الثاقب والنضج المبكر…

هذا عن جانب التحصيل العلمي الذي استمر إلى أن بلغ أشده، وأتى أكله في كل حين بإذن ربه. وأما عن الجانب الدعوي وقتئذ فقد كان لفريد-رحمه الله- ومن معه، طريقة محكمة في الدعوة إلى الله والصحوة في بداياتها، حيث إنه كان يؤلف بين الطلبة ويؤاخي بينهم، ويحثهم على الاجتماع بينهم في جلسات تربوية، تحتضنها البيوت أو المسجد ولو لدقائق معدودة، بعد الانتهاء من الصلاة وفي كل وقت مناسب.

ولم يكن نشاطه العلمي والتربوي يشغله عن القيام بهوايات خاصة، حيث كان يرى في النشاط الرياضي عاملا في تزكية النفس، ومعينا على التحصيل العلمي، فكان يحث على ترويض الجسم، وكان مثالا في ذلك، وكم كان يدعونا لممارسة رياضة المشي وتسلق الجبال القريبة من كلميمة في مدخلها الشرقي، بغرض تقوية الأجسام وتربية الروح.

ولقد شاءت إرادة الله أن ننتقل إلى مدينة فاس، قصد أخذ العلم عن علمائها، ولكن لم نلبث فيها إلا قليلا حتى غادرتها في اتجاه مدينة وجدة- حرسها الله- من أجل متابعة المسيرة الدراسية، وقبل المغادرة نصحني المرحوم الدكتور فريد الأنصاري نصيحة غالية ما نسيتها ولن أنساها ما دمت حيا، وذلك لما بت عنده في الحي الجامعي بظهر المهراز يوم 16 مارس عام 1981 للميلاد، وهي قوله: (يا عبد الله غازيوي أدرس العلوم الشرعية واجتهد في تحصيلها، فإن الأمة ستكون في أمس الحاجة إليها مستقبلا). وكانت تلك النصيحة حافزا لي في متابعة الدراسة، فعقدت العزم، وشمرت على الساعد، وتوكلت على الواحد، وتابعت دراستي في معهد البعث الإسلامي للعلوم الشرعية بمدينة وجدة- حرسها الله – حتى انتسبت إلى جامعة محمد الأول، واستمر الطلب بها إلى أن حصلت على دكتوراه الدولة في الدراسات الإسلامية، بتاريخ 18-5-2002 للميلاد، وكان من حسن حظي أن تشرفت رسالتي في المناقشة بعضوية المرحوم الدكتور فريد الأنصاري، وكم كان يحدوه الشوق إلى مناقشتي وحضورها لما كان يكنه لي من حب عميق، وكان مما قال -رحمه الله- أثناء المناقشة: إن الطبيب منعه من السفر، لكن محبته الصادقة لي جعلته يخالف أمر الطبيب، فجزاه الله عني خير الجزاء، وتقبله في الصالحين آمين، لما أسدى إلي من خير لن أنساه أبدا..

إن المرحوم فريد الأنصاري كان عالما متمكنا من علم الأصول والمقاصد، إضافة إلى تمكنه من فن الأدب الإسلامي الذي برز فيه بشكل لافت للنظر، بشهادة المتخصصين به، ودواوينه الشعرية وقصائده خير دليل على ذلك. أما الدراسة المصطلحية فقد دانت له بشهادة مؤسس معهد الدراسات المصطلحية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز، فضيلة العالم الجليل، والشيخ الكبير، الشاهد البوشيخي- حفظه الله- الذي كان يعبر في أكثر من مناسبة، مستعملا الجناس التام، عن أن فريدا – رحمه الله – فريد، ويقصد بذالك تضلعه في فهم الدراسات المصطلحية وتعمقه فيها. ومن نظر إلى أسلوب المرحوم، أدرك أنه كان فصيح اللسانين، لأن قلمه كان سيالا، ولسانه كان مثالا في حسن التعبير وجودة الأداء، وقليل من العلماء من يجمع بينهما، فلغته صحيحة فصيحة، وأسلوبه عذب سلس مستساغ، فإذا تكلم أقنع وأزال الإشكال، وإذا كتب أوضح وبين المراد.

وأما دروسه ومحاضراته التي كان يلقيها في الجامعات أو القاعات العامة فكان يحضرها الجماهير من الناس، عامتهم وخاصتهم، كما كانت خطبه لا يتخلف عنها رواد مسجده ويحج إليها محبوه من كل فج عميق، لأنه كان خطيبا ناجحا يعالج  قضايا الناس المستجدة، ويتناول هموم الحاضرين ومشاكلهم المعاصرة، وهي من الأمور التي تعتبر من أساسيات الخطب المنبرية، والدروس والمواعظ.

ولم يقتصر عطاؤه العلمي والدعوي على أبناء المغاربة فحسب، بل تعدى ذلك ليشمل فئة عريضة من أبناء الشعب التركي، فقد ذاع صيته هناك، وانتشرت دعوته، وكثر محبوه، وقد شاهدت ذلك حينما كنت في رحلة علمية أنا ورفيقي في درب المعرفة الفقيه سيدي محمد العمراوي مدير معهد الإمام مالك للتعليم العتيق، ورئيس المجلس العلمي المحلي لمدينة سيدي سليمان، وقد استضافنا إخواننا الأتراك استضافة كريمة، ووفروا لنا كل شيء، بسبب أننا كنا في ضيافة المرحوم الدكتور فريد الأنصاري.

إن المرحوم تعلق قلبه بالله تعالى، تعلقا صادقا، واهتم اهتماما كبيرا بكتاب الله سبحانه، وتذوق أسلوبه، وتعمق في معانيه وتدبر آياته، وجعله أنيسه في حله وترحاله، وكان ذلك التشبث بالقرآن الكريم عاملا أساسا في شهرته وذيوع صيته، ونجاح دعوته.

أما عن رؤيته الدعوية والتربوية، فإنهما عاشا معه واستمرا طيلة مرحلتي الأخذ والعطاء، مذ عرفته وهو يحضر شهادة نهاية الطور الثانوي إلى أن اختاره الله لجواره، ولا راد لقضائه وحكمه، لقد كان فريد صادقا في قوله، مخلصا في دعوته، غيورا على دينه ووطنه، متفانيا في تقديم النصح والإرشاد لكل شرائح المجتمع العامة والخاصة، ولم يأل جهدا في نشر العلم وبثه في صدور طالبيه، ولو كان ذلك على حسب جسمه وراحته وأهله وخاصته، وقد اتصف بصفة العالم الرباني الذي علم الناس بصدقه وإخلاصه، وظهر ذلك للعادي والبادي، لأنه كان لين الجانب، متواضعا مع الكبير والصغير، والغني والفقير، والرئيس والمرؤوس، وقد وضع بين عينيه قول الله سبحانه: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ، وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ، فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الاَمْرِ، فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ، إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) (سورة آل عمران 159 ) وقوله تعالى: (لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ، عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ، حَرِيصٌ عَلَيْكُم، بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) (128) سورة التوبة. فبشيمه الحميدة، وصدقه مع الله  أحبه الناس حبا كثيرا ظهر ذلك للعالم أجمع في تشيع جنازته –رحمه الله-. ومعلوم أن من ألقى نظرة عجلى على ما خلفه من ورائه، يجد أن الله الكريم قد وفقه في تأليف الكتب المتنوعة، فقد كتب في الأدب الإسلامي، والأصول والمقاصد، والتربية والأخلاق، والنقد الذاتي البناء، لأن ثقته بالله سبحانه، جعلته يصدع بالحق ويجهر به، حسب ما توصل إليه اجتهاده، ولا يخاف في الله لومة لائم،  إضافة إلى  تأليف الرجال الذين تعلقوا به تعلقا روحيا، فهو في الحقيقة ما مات و لن يموت، إذا فكرنا فيما تركه من أعمال، استنادا إلى قول رسول الله- صلى الله عليه وسلم- (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)، (صحيح مسلم، باب معرفة الركعتين، 3\1255) فقد خلف من ورائه علما كتبه  في السطور، وعلما بثه في الصدور، وذرية صالحة مصلحة-إن شاء الله-.

وبسبب ما خلف من ورائه، سيبقى بإذن الله سجل حسناته مفتوحا تسجل فيه ثمار ما غرس، وحصاد ما زرع، إلى أن يقوم الناس لرب العالمينَ، (يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) (سورة الشعراء، 88- 89). وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

وكتبه الفقير إلى عفو مولاه، عبد الله بن الصديق غازيوي السجلماسي أستاذ التعليم العالي بجامعة القرويين كلية الشريعة بفاس. يوم الأحد 3 شهر الله المحرم عام 1431 للهجرة الموافق لـ:20-12-2009 للميلاد.

Advertisements

تعليقات»

1. ادريس محب فريد - يوليو 17, 2011

شكر الله لأستاذنا الفاضل على هذا القبس من حياته العلمية المباركة مع رائد فرسان المغرب الاقصى رحمه الله وبارك في حياة أستاذنا غزيوي.

2. محسن المقريني - يوليو 3, 2012

بارك الله فيك أستاذنا الكريم على هذه المقتطفات من حياة شيخنا الدكتور فريد الأنصاري رحمه الله المربي بالقرآن الكريم

3. هشام المودن - نوفمبر 14, 2012

شكرا لك أخي على هذه النفحات العطرة على هذا العالم الفد الذي فقدته المملكة المغربية والشكر موصول إلى القائمين على هذا الملتقى وأعضائه ولجنة الماستر دمتم لخدمة العلم والمعرفة .


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: