jump to navigation

دراسة قاعدة: إذا تعددت المرويات في سبب النزول ـ الطالبة الباحثة: لبنى بوشوارب فبراير 12, 2011

Posted by Admin in متفرقات.
trackback

دراسة قاعدة:
إذا تعددت المرويات في سبب النزول، نظر إلى الثبوت، فاقتصر على الصحيح، ثم العبارة، فاقتصر على الصريح، فإن تقارب الزمان حمل على الجميع، وإذا تباعد حكم بتكرار النزول أو الترجيح

إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه ، ونستغفره ونتوب إليه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله  .
أما بعد:
نزل القرآن الكريم ليهدي الإنسانية إلى الطريق المستقيم، ويقيم لها أسس الحياة القومية التي تقوم على الإيمان بالله ورسالاته ورسله والقدر خيره وشره.
وعلى هذا الأساس نزل بلغة العرب وعلى أساليب بلاغتهم، فكانوا كلهم يفهمونه ويعلمون معانيه في مفرداته وتراكيبه، وكان ينزل جملا جملا، وآيات آيات، وكان  هو المبين لذلك كما قال تعالى:لتبين للناس ما نزل إليهم [ النحل: ] يبين المجمل ويميز الناسخ من المنسوخ، ويعرفه أصحابه، فعرفوه وعرفوا سبب نزول الآيات ومقتضى الحال منها منقولا عنه ، وفي هذا الاطار قال الواحدي: “لا يحل القول في أسباب النزول إلا بالرواية والسماع ممن شاهدوا التنزيل، ووقفوا على الاسباب، وبحثوا عن علمها وجدوا في الطلب” .
وهذا هو نهج علماء السلف، فكانوا يتورعون عن أن يقولوا شيئا في ذلك دون تثبت، وسيرا على النهج النبوي، وعلماء السلف، كانت معرفة أسباب النزول ضرورة في جلاء المقصد الشرعي من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية لتحقيق الامتثال وإخلاص النية لله عز وجل.
وبعد هذا التقديم تأتي مرحلة دراسة القاعدة بالرجوع إلى مصادرها المستقاة منها من قبل جامعها الدكتور خالد السبت.
وفي هذا الإطار نتحدث أولا عن:
توثيق القاعدة:
حيث يلاحظ من خلال الرجوع إلى كتاب الإتقان في علوم القرآن للإمام السيوطي المصدر الرئيس الذي استاق منه الدكتور خالد السبت عنوان قاعدته المذكورة أعلاه أن عنوان القاعدة مستنبط مما ذكره الإمام السيوطي في المسألة الخامسة من النوع التاسع في معرفة سبب النزول .
وقولنا مستنبط للتدليل على كون القاعدة لم ترد في الإتقان على النحو الذي ذكرها عليه الدكتور خالد السبت، في المقصد الأول ” نزول القرآن وما يتعلق به” وإنما ذكره لما جاء بعد الدراسة لما أورده الإمام جلال الدين السيوطي في معرفة سبب النزول.
صورة صياغة القاعدة والمقارنة بينها وبين المصادر التي أخذت عنها:
جاءت القاعدة عند الدكتور خالد السبت مصاغة على النحو التالي:” إذا تعددت المرويات في سبب النزول، نظر إلى الثبوت، فاقتصر على الصحيح، ثم العبارة، فاقتصر على الصريح، فإن تقارب الزمان حمل على الجميع، وإذا تباعد حكم بتكرار النزول أو الترجيح”
في حين أن القاعدة ذكرت في الإتقان مجزأة يفصل بينها وبين تتمتها العديد من الشواهد القرآنية والحديثية والنحوية.
حيث ذكرها الإمام السيوطي بعد قول الجعبري “نزول القرآن على قسمين: قسم نزل ابتداء. وقسم نزل عقب واقعة أو سؤال، حيث قال السيوطي أن في هذا النوع مسائل، فكانت الأولى في فوائد أسباب النزول والثانية في هل العبرة بعموم اللفظ أم بخصوص السبب والثالثة: تقدم أن صورة السبب قطعية الدخول في العام وقد تنزل الآيات على الأسباب الخاصة وتوضح مع ما يناسبها من الآي رعاية لنظم القرآن وحسن السياق. الرابعة: لا يحل القول في أسباب النزول إلا بالرواية والسماع. والخامسة: موضوع العرض .
إذ هي جامعة لكل ما ينضوي تحتها ومانعة لكل ما يخرج عن أصلها. وهذا ما يبرر عدوله عن بعض الألفاظ في القاعدة.
وللوقوف على ذلك جليا يمكن التطرق إلى أصل صياغتها عند الإمام السيوطي حيث قال:”كثيرا ما يذكر المفسرون لنزول الآية أسباب متعددة وطريق الاعتماد في ذلك أن ينظر إلى العبارة الواقعة فإن عبر أحدهم بقوله نزلت في كذا والآخر نزلت في كذا وذكر أمرا آخر فقد تقدم أن هذا يراد به التفسير لا ذكر سبب النزول.
فما ذكره الإمام السيوطي بقوله:” كثيرا ما يذكر المفسرون لنزول الآية أسبابا متعددة ” هو ما ذكره خالد السبت بقوله: “إذا تعددت المرويات في سبب النزول…” وعلى هذا النهج واصل صياغة القاعدة مع عرض شواهد بيانية من القرآن والسنة النبوية للتدليل على صحة المقصود بالقاعدة وتوضيحها، وبالتالي يمكن الخلوص إلى أن صورة صياغة القاعدة، هي صياغة استنباطية ويمكن وصفها بالصياغة التجريدية المحكمة، حافظ فيها المؤلف على التركيب الذي عرضت به مع التصرف في الشواهد بالاقتصار على ما يفيد منها والإضافة لها، وهذا من معالم القواعد في مجملها سواء كانت فقهية أو أصولية أو منطقية، فميزتها الإيجاز والإحكام والتوضيح والبيان.
كما يلاحظ في المقارنة بين صياغة المؤلف والصياغة المأخوذة عن الأصل الاقتصار على كتاب الإتقان في علوم القرآن المصدر الوحيد الذي اعتمده المؤلف في صياغته للقاعدة موضوع الدراسة.
شرح القاعدة:
كما جاء على لسان المؤلف فإن هذه القاعدة من أنفع ما يكون للناظر في كتب التفسير فكثيرا ما يذكر المفسرون أسباب عدة لنزول الآية الواحدة مما يخلق اضطرابا في اختيار أحدها واعتمادها سببا للنزول، ولتفادي ذلك جاءت هذه القاعدة لتبين المراحل التي يجب اتباعها في النظر إلى روايات أسباب النزول وذلك حسب التدرج التالي:
1/النظر إذا تعددت المرويات في أصحها (الصحة والثبوت).
2/النظر إلى العبارة والاقتصار على الصريح منها، أما إذا لم تكن صريحة حملت على كونها تفسيرا.
3/في حالة تعدد الروايات الصحيحة ينظر إلى زمان حدوثها، فإن تقاربت، حكم بالجمع بين الأسباب، أما في حالة تباعد الزمان يلجأ إلى القول بتكرار النزول، وهناك من يقول بالترجيح بأحد طرقه.
وبعد هذا التوضيح الموجز للقاعدة ننتقل إلى مرحلة ربط هذه المراحل بالشواهد التي انطلق منها المؤلف سواء من الأصل الذي ساق منه القاعدة موضوع الدراسة أو من مظان أخرى.
وهذا ما يحيلنا إلى الشق الأخير من العرض والمتمثل في :
تطبيقات هذه القاعدة من خلال ما جاء به المؤلف والنظر إليها نظرة نقدية وإضافة شواهد من خلال مصادر أخرى للتوسع.
1-النظر إذا تعددت المرويات في أصحها (الصحة والثبوت)
من المعلوم أن أسباب النزول تنقسم باعتبار الثبوت إلى قسمين: صحيح، وضعيف، وعلى هذا فلا بد من مراعاة الصحة عند تعدد الروايات الواردة في أسباب النزول، فيقدم الصحيح على الضعيف، فإذا صحت الروايات جميعا تراعى درجات الصحة، على سبيل المثال يقدم ما رواه الشيخان على ما رواه غيرهما وما رواه أحدهما على ما رواه غيرهما وهكذا… وسيقدم مثال على هذا.
سبب نزول آية والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى [ الضحى:1-3]. جاء في كتاب الواحدي المسمى بأسباب النزول عن الأسود بن قيس عن جندب قال: قالت امرأة من قريش للنبي : ما أرى شيطانك إلا ودعك،فنزل والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى رواه البخاري في صحيحه، وعليه فإن الرواية صحيحة كما أن العبارة فيها صريحة.
أخبرنا حفص بن سعيد القرشي قال: حدثتني أمي عن أمها خولة وكانت خادمة رسول الله  أن جرواً دخل البيت فدخل تحت السرير فمات فمكث نبي الله  أياماً لا ينزل عليه الوحي فقال: يا خولة ما حدث في بيتي جبريل عليه السلام لا يأتيني قالت خولة: لو هيأت البيت وكنسته فأهويت بالمكنسة تحت السرير فإذا شيء ثقيل فلم أزل حتى أخرجته فإذا هو جرو ميت فأخذته فألقيته خلف الجدار فجاء نبي الله صلى الله عليه وسلم ترعد لحياه وكان إذا نزل الوحي استقبلته الرعدة فقال: يا خولة دثريني فأنزل الله تعالى وَالضُحى وَالَليلِ إِذا سَجى ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى .
وبخصوص هذه الرواية نجد أن ابن حجر العسقلاني يقول: “وقصة إبطاء جبريل بسبب كون الكلب تحت سريره مشهورة، لكن كونها سبب نزول هذه الآية غريب، بل شاد مردود بما في الصحيح والله أعلم.
وهناك رواية أخرى في سبب نزول هذه الآية من طريق إسماعيل مولى آل الزبير قال: “فتر الوحي حتى شق ذلك على النبي  وأحزنه فقال: (لقد خشيت أن يكون صاحبي قلاني) فجاء جبريل بسورة الضحى.
كما جاء في شرح صحيح مسلم للقاضي عياض باب ما لقي النبي  من أذى المشركين والمنافقين رقم 114-1797
حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا سفيان، عن الأسود بن قيس؛ أنه سمع جندب يقول: أبطأ جبريل على رسول الله . فقال المشركون قد ودع محمد، فأنزل الله عز وجل: والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى .
وكل هذه الروايات لا تثبت، والحق أن الفترة المذكورة في سبب نزول الآية غير الفترة المذكورة في ابتداء الوحي، فإن تلك دامت أياما، وهذه لم تكن إلا ليلتين أو ثلاثا، فاختلطتا على بعض الرواة .
2-النظر إلى العبارة والاقتصار على الصريح منها أما إذا لم تكن صريحة حملت على كونها من قبيل التفسير.
تنقسم أسباب النزول من حيث دلالتها كذلك إلى قسمين:
صريح وهو ما صرح فيه الراوي بسبب النزول مثل قوله: سبب نزول هذه الآية كذا أو حدث كذا أو سئل النبي  عن كذا فأنزل الله تعالى قوله كذا، أو فأوحى الله إلى نبيه كذا.
وغير صريح مثل أن يقول نزلت هذه الآية في كذا ونحو ذلك، فهذا يحتمل كونه سبب نزول أو تفسيرا للآية وبيان لما ينطبق عليه الحكم، وبالتالي فالصريح إذا صح إسناده مقدم على غير الصريح حتى لو كان أصح منه.
ولتوضيح هذا القسم استحسنت الرجوع إلى ما ذكره الإمام السيوطي في مقدمة المسألة الخامسة في أسباب النزول بخصوص تعدد المرويات والنظر إلى العبارة حيث قال: “إن عبر واحد بقوله نزلت في كذا وصرح الآخر بذكر سبب خلافه فهو المعتمد ومثاله ما أخرجه البخاري عن ابن عمر قال: نزلتنساؤكم حرث لكم في إتيان النساء في أدبارهن وتقدم عن جابر التصريح بذكر سبب خلافه، فالمعتمد حديث جابر لأنه نقل وقول ابن عمر استنباط .
والشاهد عندنا التصريح المقدم عن جابر وهو ما جاءت به القاعدة في حصرها قبول العبارة الصريحة، وما كان منها غير صريح اعتبر تفسيرا، وهذا أيضا يحيلنا على ما سبق ذكره من قبل الواحدي فيما يخص اعتبار الرواية والنقل في أسباب النزول.
3-في حالة تعدد الروايات الصحيحة ينظر إلى زمان حدوثها فإن تقاربت حكم بالجمع بين الأسباب، أما في حالة تباعد الزمان يلجأ إلى القول بتكرار النزول، وهناك من يقول بالترجيح.
أ-ما صحت فيه الروايات وكانت صريحة مع تقارب النزول:
إذا تساوت الروايات في الترجيح جمع بينها إن أمكن، فتكون الآية قد نزلت بعد السبب أو الأسباب لتقارب الزمن بينهما ، وقد جاءت آيات في مواضع اتفقوا على تعديتها إلى غير أسبابها، كنزول آية الظهار [1-4] في سلمة بن صخر وآية اللعان في شأن هلال بن أمية، ونزول حد القذف في رماة عائشة رضي الله عنها ثم تعدى إلى غيرهم، وإن كان قد قال سبحانه: الذين يرمون المحصنات [النور:4] فجمعها مع غيرها؛ إما تعظيما لها إذ أنها أم المؤمنين، ومن رمى أم قوم فقد رماهم، وإما للإشارة إلى التعميم، ولكن الرماة لما كانوا معلومين، فتعدى الحكم إلى من سواهم .
ومن الآيات الشواهد على الجمع لتقارب النزول قوله تعالى: والذين يرمون المحصنات فقد أخرج البخاري والترمذي وابن ماجة عن ابن عباس أنها نزلت في هلال بن أمية، قذف امرأته عند النبي  بشريك بن سحماء.
وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن سهل بن سعد أَنَّ عُوَيْمِرًا الْعَجْلَانِيَّ جَاءَ إِلَى عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيِّ فَقَالَ لَهُ يَا عَاصِمُ أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ سَلْ لِي يَا عَاصِمُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ  فَسَأَلَ عَاصِمٌ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ  فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ  الْمَسَائِلَ وَعَابَهَا حَتَّى كَبُرَ عَلَى عَاصِمٍ مَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ  فَلَمَّا رَجَعَ عَاصِمٌ إِلَى أَهْلِهِ جَاءَ عُوَيْمِرٌ فَقَالَ يَا عَاصِمُ مَاذَا قَالَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ  فَقَالَ عَاصِمٌ لَمْ تَأْتِنِي بِخَيْرٍ قَدْ كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ  الْمَسْأَلَةَ الَّتِي سَأَلْتُهُ عَنْهَا قَالَ عُوَيْمِرٌ وَاللَّهِ لَا أَنْتَهِي حَتَّى أَسْأَلَهُ عَنْهَا فَأَقْبَلَ عُوَيْمِرٌ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ  وَسْطَ النَّاسِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ  قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ فَاذْهَبْ فَأْتِ بِهَا قَالَ سَهْلٌ فَتَلَاعَنَا وَأَنَا مَعَ النَّاسِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ  فَلَمَّا فَرَغَا قَالَ عُوَيْمِرٌ كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ  قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فَكَانَتْ تِلْكَ سُنَّةَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ *
فجمع بينهما بوقوع حادثة هلال أولا وصادف مجيء عويمر كذلك، فنزلت الآية في شأنهما معا بعد حادثيهما.
قال ابن حجر في شأن تعدد أسباب النزول “لا مانع من تعدد الأسباب”.
ب-ما صحت فيه الروايات وكانت صريحة مع تباعد النزول:
وإذ لم يكن الجمع في شأن تباعد الزمن، فإنه يحمل على تعدد النزول وتكرره، وخير ما يستدل به ما ورد في سبب نزول قوله تعالى:  ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين [التوبة:113] إذ نزلت الآية في استنكار الاستغفار من قبل المؤمنين للمشركين، وإن كانوا أولي قربى بعدما ماتوا على شركهم، وقد تعددت الأقوال في سبب نزول هذه الآية فعن الزهري قال: “أخبرني سعيد بن المسيب عن أبيه، قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله ، فوجد عنده أبا جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة فقال رسول الله  : (يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند الله) قال أبو جهل وعبد الله بن أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله  يعرضها عليه ويعيد له تلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله. فقال رسول الله  : (والله لأستغفرن لك ما لم أنه عن ذلك) فأنزل الله ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين وانزل الله في أبي طالب. فقال لرسول الله  إنك لا تهدي من أحببت وقال آخرون: بل نزلت في سبب أم رسول الله  ، وذلك أنه أراد أن يستغفر لها فمنع من ذلك.
حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا فضيل قال: لما قدم رسول الله  مكة وقف على قبر أمه حتى سنخت عليه الشمس رجاء أن يؤذن له، فيستغفر لها، حتى نزلت  ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين .
وقد جاء في البرهان للزركشي قوله: “وقد يتنزل الشيء مرتين تعظيما لشأنه، وتذكيرا عند حدوث سببه خوف نسيانه، كما قيل في الفاتحة نزلت مرتين: مرة بمكة وأخرى بالمدينة” .
ج-الترجيح (عند القائل به في هذه المسألة):
ذكره الإمام السيوطي بقوله:”أن يستوي الاسنادان في الصحة، فيرجح أحدهما بكون راويه حاضر القصة، أو نحو ذلك من وجوه الترجيحات، مثاله ما أخرجه البخاري عن ابن مسعود، قال: كنت أمشي مع النبي  بالمدينة وهو يتوكأ على عسيب فمر بنفر من اليهود فقال بعضهم : لو سألتموه! فقالوا: حدثنا عن الروح، فقام ساعة ورفع رأسه فعرفت أنه يوحى إليه، حتى صعد الوحي، ثم قال: وَيَسئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِن أَمرِ رَبي وَما أُوتِيتُم مِنَ العِلمِ إِلّا قَليلاً [الاسراء:85].
وأخرجه الترمذي وصححه عن ابن عباس قال: قالت قريش لليهود: أعطونا شيئا نسأل هذا الرجل، فقالوا: اسألوه عن الروح، فسألوه فأنزل الله وَيَسئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِن أَمرِ رَبي وَما أُوتِيتُم مِنَ العِلمِ إِلّا قَليلاً [الإسراء:85].
فهذا يقتضي أنها نزلت بمكة والأول خلافه، وقد رجح بأن ما رواه البخاري أصح من غيره، وبأن ابن مسعود كان حاضرا القصة، والشاهد في هذا الترجيح حضور الراوي القصة.
وقد جاء على لسان المجتهد الشريف التلمساني في كتابه مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول:أن الترجيح يقع على جهتين بقوله في الباب الرابع في كون الأصل النقلي راجحا.
“اعلم: أن الترجيح يقع: إما من جهة السند، وإما من جهة المتن” .
وعلى هذا التقسيم ذكر في ترجيحات السند عشرة أسباب:
1-كبر الراوي.
2-أن يكون الراوي لأحد الخبرين أعلم وأتقن من راوي آخر.
3-أن يكون الراوي مباشر للقصة بنفسه، فروايته أرجح من غير المباشر، لأن المباشر أقعد بما باشر، وأعرف وأثبت.
4- أن يكون أحد الراوين صاحب الوقيعة، فهو الأولى.
5- أن يكون أحد الراوين أكثر صحبة، فهو الأولى.
6-كثرة رواة أحد الخبرين.
7-أن يكون أحدهما أقرب إلى النبي  .
8-كون الراوي سمع الحديث من غير حجاب.
9- أن يكون أحد الراوين لم تختلف الرواية عنه، بخلاف الآخر.
10- أن يكون أحد الراوين متأخر الإسلام، لأنه أقل احتمالا للنسخ.
وفي ترجيحات المتن كذلك عشرة أسباب وهي مرتبة كالآتي:
1-أن يكون أحد المتنين قولا والآخر فعلا، فإن القول أقوى على الصحيح.
2- أن يكون أحد المتنين دالا بمنطوقه والآخر بمفهومه، فالدال بمنطوقه أولى. (وقد اشتمل هذا على سببين).
4-أن يكون أحدهما قصد به الحكم، والآخر ليس كذلك، فإن ما قصد به الحكم أرجح.
5-أن يكون أحد المتنين واردا على سبب، الآخر واردا على غير سبب، فإن الوارد على سبب أرجح في السبب، والوارد على غير سبب أرجح في غير السبب. (وهذا أيضا اشتمل على سببين).
7-ترجيح الظاهر على المؤول. إلا أن كون دليل التأويل أرجح من الأصل المقتضي للظاهر.
8-أن يكون أحدهما إثبات والآخر نفيا، فإن الإثبات أرجح.
9-أن يكون أحدهما عن أصل البراءة، والآخر منفيا، فإن الناقل أولى.
10-كون أحدهم يتضمن احتياطا، فإنه أرجح.
وللإشارة فإن الترجيح محط خلاف إذ هناك من يقول به وهناك من يرجع عليه القول بتعدد النزول وتكرره وهذا ما تبناه المؤلف في عرضه لمسألة الترجيح “القول بتكرار النزول أولى من القول بالترجيح” والله أعلم .
في حين أن الدكتور مناع القطان يقول: “لا أرى لهذا الرأي (التعدد والتكرار) وجها مستساغا، حيث لا تتضح الحكمة الباعثة من تكرار النزول، وإنما أرى أن الروايات المتعددة في سبب النزول ولا يمكن الجمع بينهما يتأثر فيها الترجيح، فالروايات الواردة في سبب نزول قوله تعالى: ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ترجح فيها الرواية الأولى على الروايتين الأخيرتين، لأنها وردت في الصحيحين دونهما، وحسبك برواية الشيخين قوة، فالراجح أن الآية نزلت في أبي طالب .
وعليه يكون الأخذ بأرجح الروايات باعتماد طرق الترجيح أولى من القول بتعدد النزول وتكرره.

على مستوى التوثيق:
استنبط المؤلف القاعدة مما ساقه الإمام السيوطي في مسألة سبب النزول في كتابه الإتقان.
على مستوى الصياغة:
وفق المؤلف في صياغته للقاعدة فعبرت ألفاظها على معانيها التي سيقت لها، كما حافظ فيها على الترتيب الذي عرضت به في مصدرها الأصلي.
على مستوى شرح القاعدة:
اكتفى الدكتور خالد السبت بتفكيك المصطلحات المفاتيح للقاعدة دون التعرض لمدلولاتها.
على مستوى التطبيق:
اعتمد المؤلف على شواهد جلها مذكور في المصدر الأصل الذي استنبط منه القاعدة.
تميز في عرضه للأمثلة يتخريج الأحاديث وعزو الآيات إلى التفاسير التي اعتمدت فيها.
عرف في الهامش بالعديد من رواة الحديث وفي هذا إشارة إلى أهمية العلم “بالجرح والتعديل”
فيما يخص مسلة الترجيح لم يذكر المؤلف إلا مرجعا واحدا تجلى في “حضور القصة”
كما انه لم يذكر الرأي المخالف في مسألة الترجيح.
ولم يستدل لرأيه في القول بتعدد النزول وتكرره، إلا إذا كان قد ذكرها فيما لم أطلع عليه من الكتاب.
وفي الأخير يمكن الخلوص إلى أن المؤلف قدم للقاعدة بشكل يوضح المقصود منها. والله أعلم.

*القرآن الكريم برواية ورش عن نافع
1-الإتقان في علوم القرآن للإمام جلال الدين السيوطي. تحقيق أحمد بن علي- دار الحديث- القاهرة 2006م.
2-الإتقان في علوم القرآن لجلال الدين السيوطي. تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم. المكتبة العصرية-بيروت- 1407هـ
3-أسباب النزول لأبي الحسن علي بن احمد الواحدي النيسابوري دار الكتب العلمية بيروت. الطبعة الثانية 1991.
4-البرهان في علوم القرآن للإمام بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي. تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم. الطبعة الثانية 1972م.
5-جامع البيان عن تأويل آي القرآن لمحمد بن جرير الطبري. طبعة 1984م.
6-شرح صحيح مسلم للقاضي عياض “المسمى إكمال المعلم بفوائد مسلم”. تحقيق الدكتور يحيى إسماعيل-دار الوفاء الطبعة الأولى 1998م.
7-صحيح البخاري- دار عالم المعرفة- الطبعة الأولى 1417هـ/1996م.
8-فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني. دار الفكر.
9- قواعد التفسير جمعا ودراسة لخالد بن عثمان السبت. دار ابن عفان الطبعة الأولى 1421هـ
10-مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول للشريف التلمساني. دار الرشاد الحديثة-الدار البيضاء –المغرب طبعة 2009م.
11-مقدمة ابن خلدون الطبعة الأولى دار الفجر للتراث بالقاهرة سنة 1425هـ/2004م .
12- مباحث في علوم القرآن لمناع القطان مكتبة وهبة –القاهرة- الطبعة الثالثة عشر 1425هـ/2004م.

Advertisements

تعليقات»

1. محمدمحمدشيرة - فبراير 12, 2011

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أنا محمد محمد شيرة
هذه القاعد ليست لي وإنما هي عرض الطالبة لبنى بو شوارب
وإنما أنا واسطة لإنزالها في المنتدى لا غير
وشكرا

2. محمدمحمدشيرة - فبراير 12, 2011

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أنا محمد محمد شيرة
هذه القاعد: إذا تعددت المرويات في سبب النزول، نظر إلى الثبوت، فاقتصر على الصحيح، ثم العبارة، فاقتصر على الصريح، فإن تقارب الزمان حمل على الجميع، وإذا تباعد حكم بتكرار النزول أو الترجيح ليست لي وإنما هي عرض الطالبة لبنى بو شوارب
وإنما أنا واسطة لإنزالها في المنتدى لا غير
وشكرا


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: