jump to navigation

منهجية عرض السنن الاجتماعية من خلال القرآن الكريم مارس 2, 2010

Posted by Admin in دراسات نفسية واجتماعية.
trackback

إعداد محمد الإدريسي

لا يوجد كتاب تلقى من العناية والبحث مثلما هو الحال بالنسبة للقرآن الكريم، حيث ألفت الآلاف المؤلفة من الكتب والدراسات ما بين مطول ومختصر، شامل ومجتزأ، كلها تصب في خدمة النص القرآني وسبر أغواره، واستنطاق مكنوناته واستجلاء مراميه.

ومع تفرع العلوم والمعارف وظهور التخصصات والفروع المعرفية الكثيرة، كان طبيعيا أن يكون القرآن الكريم رافدا لكل هذه الاتجاهات ومغذيا لها، متماشيا معها تارة ومتقاطعا معها أخرى، مكونا بذلك نظرية قرآنية متفردة في أي فن من الفنون المعرفية وفي أي نسق من الأنساق. وحيث إن القرآن الكريم في الأساس هو كتاب تربية ومنهاج حياة، كان للعلوم الاجتماعية النصيب الأوفر من مساحة التقاطع بين القرآن الكريم والعلوم البشرية.

تُعرف العلوم الاجتماعية بأنها المناهج العلمية التي تدرس أصول نشأة المجتمعات البشرية والمؤسسات ومختلف العلاقات والروابط الاجتماعية وكذا المبادئ المؤسسة للحياة الاجتماعية. ويشكل علم الاجتماع واحدا من هذه العلوم.

إن المتأمل في القرآن الكريم يجد مساحة واسعة ذات الصلة بهذه العلوم. وإلى هذا المعنى يشير عماد الدين خليل في حديثه عن التاريخ مثلا من بين العلوم الاجتماعية، فيقول: “إن ثمة حقيقة أساسية تبرز واضحة في القرآن الكريم، تلك هي أن مساحة كبيرة في سوره وآياته قد خصصت المسألة التاريخية التي تأخذ أبعادا واتجاهات مختلفة وتتدرج بين العرض المباشر والسرد القصصي الواقعي لتجارب عدد من المجتمعات البشرية وبين استخلاص يتميز بالتركيز والكثافة للسنن التاريخية التي تحكم حركة الجماعات عبر الزمان والمكان مرورا بمواقف الإنسان المغايرة من الطبيعة والعالم وبالصيغ الحضارية التي لا حصر لها. [i]

وموضوع السنن الاجتماعية هو موضوع قرآني في الأساس، أي أنه يستمد أصله من القرآن، فهو مصدره ومرجعه الأول، فإن الفكر البشري مهما أبدع في العلوم الاجتماعية واكتشف من النظريات والأفكار سيبقى مدينا للقرآن بهذا التفرد والسبق، ومهما يكن من أمر تنكر علم الاجتماع المعاصر لهذا المفهوم أو الأخذ به، فإن السنن الاجتماعية تبقى مفهوما يفرض نفسه بحيث لا يمكن للاتجاه الإسلامي في علم الاجتماع أن يتجاهله أو يتغافل عنه.

يقول سيد قطب في ظلاله، “إن الله قد خلق هذا الكون، وجعل له سنناً لا تتبدل؛ وأنه علم الإنسان أن يبحث عن هذه السنن ويدرك بعضها؛ ويتعامل معها – في حدود طاقته وحاجته – وأنه سيكشف له من هذه السنن في الأنفس والآفاق ما يزيده يقيناً وتأكداً أن الذي جاءه من عند ربه هو الحق…”[ii].

وإذا كان الغرب قد اكتشف كثيرا من السنن الطبيعية وأبدع فيها، ووظفها لعمارة الأرض في المجالات العسكرية والمدنية المختلفة، مما مكنه من التحكم في ثروات الأمم ورقاب الشعوب المستضعفة، فإنه قد ذهل عن هذه السنن الاجتماعية، ولم يدرك إلى الآن كيف تعمل هذه السنن في واقع المجتمعات البشرية، لأنه قطع صلته بالوحي، ولذلك فهو غير قادر على فهم حقيقة النفس البشرية وطبيعتها ومشاكلها ووسائل علاجها، وهذا من شأنه ألا يسهم في حل كثير من المشكلات التي تعاني منها البشرية في العصر الحاضر، إن لم يعجل بتغيرات كبرى وتحولات في البنيات السياسية والمنظومات الاجتماعية، تحولات تكون سببا في مزيد من الشقاء والتعاسة للبشر.

وفي هذه الصفحات، سوف نحاول رصد المفاهيم السننية في القرآن الكريم، باحثين في خصائصها وأهميتها، محاولين الوقوف على منهج سليم لمقاربتها ودراستها، متوسلين إلى هذه المعاني بمحورين أساسين.


[i] – عماد الدين خليل، “التفسير الإسلامي للتاريخ”. بيروت، 1975.

[ii] – سيد قطب “في ظلال القرآن”،

تعليقات»

No comments yet — be the first.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: